محمد بن وليد الطرطوشي
53
سراج الملوك
يا أيها الرجل : لا تكن كالمنخل ، يرسل أطيب ما فيه ويمسك الحثالة ، واعلم أن من قسا قلبه لا يقبل الحق ، وإن كثرت رذائله ، قال الله تعالى : فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [ البقرة : 73 ، 74 ] ، وذلك إن كثرة الذنوب مانعة من قبول الحق للقلوب ، وولوج المواعظ فيها ، قال الله تعالى : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [ المطففين : 14 ] ، أي غطاها وغشيها ، فلا تقبل خيرا ، ولا تصيخ « 1 » لموعظة . جاء في التفسير : إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء ، ثم إذا أذنب نكتت نكتة سوداء ، حتى يسوّد القلب . وقال حذيفة « 2 » : القلب كالكفّ ، فإذا أذنب العبد انقبض وقبض أصبعا ، ثم إذا أذنب انقبض ، وقبض أصبعا أخرى ، ثم كذلك في الثالث ، والرابع ، حتى ينقبض الكفّ كلّه ، ثم يطبع الله عليه ، فذلك هو الرّان « 3 » . وقال بكر بن عبد الله « 4 » : إذا أذنب العبد صار في قلبه كوخز الإبرة ، ثم كلما أذنب صار فيه كوخز الإبرة ، ثم كلّما أذنب صار فيه كوخز الإبرة ، حتى يعود القلب كالمنخل . وقال الحسن « 5 » : هو الذنب على الذنب ، حتى يموت القلب . وقال ابن شبرمة « 6 » : إذا كان البدن سقيما لم ينفعه الطعام ، وإذا كان القلب مغرما بحبّ الدنيا لم تنفعه الموعظة ، وفيه قيل : ولا أرى أثرا للذّكر في خلدى * والحبل في الصّخرة الصّما له أثر « 7 » إذا قسا القلب لم تنفعه موعظة * كالأرض إن سبخت « 8 » لم ينفع المطر
--> ( 1 ) لا تصيخ : أي لا تصغي ولا تسمع . ( 2 ) حذيفة بن اليمان أبو عبد الله العبسي : صحابي من رواة الحديث ، أقام بالكوفة وتوفي سنة 36 ه . ( 3 ) الران : الغطاء أو الدنس . ( 4 ) بكر بن عبد الله : بكر بن عبد الله بن عمرو المزني ، بصري تابعي من رواة الحديث ، منهم من اعتبره ثقة ، ومنهم من لم يعتبره كذلك ، توفي سنة 108 ه . ( تهذيب التهذيب / ابن حجر 1 / 484 ) . ( 5 ) أي الحسن البصري : سبقت ترجمته . ( 6 ) ابن شبرمة : عبد الله بن الطفيل ، من معاصري الإمام أبي حنيفة ، كان قاضيا لأبي جعفر المنصور على سواد الكوفة ، وكان فقيها عفيفا حازما عاقلا ، يشبه النسّاك ، توفي سنة 144 ه . ( 7 ) الخلد : البال والقلب . ( 8 ) سبخت الأرض : لم تحرث ولم تعمّر .